مكتبة المليون كتاب مكتبة المليون كتاب

آخر الأخبار

روايات
جاري التحميل ...
روايات

صورة ضوئية من قرار حل جماعة الاخوان المسلمين عام 1954


صورة ضوئية لقرار مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الاخوان المسلمين



ملابسات القرار
  استمرت العلاقة طيبة، بين الحركة والجماعة، وخاصة بعد الإفراج، بعفو خاص، في 11 أكتوبر 1952، عن قتله المستشار أحمد الخازندار، رئيس محكمة جنايات القاهرة، ومحمود فهمي النقراشي، الذي كان قد أصدر قراراً، بحل الجماعة بعد حرب فلسطين، وعن المحكوم عليهم في قضية قنابل مدرسة الخديوية. وقد توجه المفرج عنهم، من السجن إلى مركز الإرشاد فوراً، حيث استقبلوا بحفاوة شديدة من أعضاء الجماعة.
        ثم صدر بعد ذلك بأيام مرسوم بالعفو الشامل عن الجرائم السياسية، التي وقعت في المدة من توقيع معاهدة 26 أغسطس 1936، إلى 23 يوليه 1952، أو المتهمين في قضايا سياسية، ولم تزل قضاياهم أمام المحاكم. وقد بلغ عددهم 934 شخصاً، وكان من بينهم عدد كبير من الإخوان.
        وعندما صدر قانون تنظيم الأحزاب بادرت جماعة الإخوان المسلمين بتقديم طلب، بتوقيع حسن أحمد المليجي، والدكتور محمد خميس حميدة، وفهمي أبو غدير، يطلبون حق تشكيل الجماعة في بيان جاء فيه: "الإخوان المسلمين جند الله، حينما يتناولون أمر هذا الدين، فهم لا يستهدفون إلا ما استهدف الإسلام، ولا يتوسلون في بلوغ هذه الأهداف، إلا بالوسائل، التي يقرها الإسلام".
        ولكن الطلب لم يأخذ مجراه مع بقية الأحزاب، وإنما اتصل جمال عبدالناصر بوزير الداخلية سليمان حافظ وقال له "إن الجماعة كانت من أكبر أعوان الحركة، قبل قيامها، وإنها ساهمت بنصيب كبير فيها، ومازالت تقدم لها العون المستمر". وطلب منه إيجاد مخرج للجماعة. وفي مكتب وزير الداخلية التقى جمال عبدالناصر وحسن الهضيبي، واتفقا على إدخال تعديل في إخطار التأسيس، يبعد الجماعة عن مجال الأحزاب.
        ولكن بعض تصرفات الحركة، وقراراتها، لم تجد قبولاً، أو حماساً، عند الإخوان المسلمين؛ فقد مر قانون الإصلاح الزراعي من دون كلمة تأييد واضحة منهم، واستقبلوا إقالة رشاد مهنا بفتور شديد؛ فقد كان قريباً منهم. وراهنوا عليه أحياناً بأنه سيكون الجواد الفائز. كما أن بعض تصريحات الإخوان المسلمين لم تجد ترحيباً، من جانب مجلس قيادة الثورة، مثال ذلك تصريح المرشد العام حسن الهضيبي لادوارد بولاك، محرر الإسوشيتدبرس، في 5 يوليه 1953، قال فيه:
        "أعتقد أن العالم العربي سيربح كثيراً، إذا حاول أن يحسن فهم مبادئنا، بدراستها بروح العدل البعيدة عن التعصب. وإنا على ثقة من أن الغرب سيقتنع بمزايا الإخوان المسلمين، وسيكف عن اعتبارهم شبحاً مفزعاً، كما حاول البعض أن يصورهم. وأنا أثق في أن الغرب سيجد أن الإخوان المسلمين عامل كفء، في سبيل تقدم الإنسانية، والرخاء، والسلام، بين مختلف الشعوب".
        ومن جهة أخرى، كان وجود الإخوان المسلمين في المظاهرات، التي تحتشد لمقابلة محمد نجيب، أو أعضاء المجلس، أمراً يصدمهم، ويشعرهم بأنهم مازالوا كتلة نشطة، بين الجماهير، تعبر عن نفسها بهتافها المعروف "الله أكبر ولله الحمد".
        كان هذا الأمر يثير الضباط  كثيراً، ويبين لهم أن الجماهير لم تتحول تماماً إلى جانب الثورة. ومن ثم أعدوا شعاراً آخر، بهيئة التحرير، يهتفون به، أثناء مظاهرات الاستقبال، وفي الاجتماعات الشعبية، وهو "الله أكبر والعزة لمصر".
        كانت حرباً مستترة غير معلنة، فلا الإخوان المسلمين يصارحون بالعداء جهاراً، ولا مجلس قيادة الثورة يهاجم الإخوان. ولم تكن هناك فرصة إلا ممارسة اللعبة المعروفة، وهي التسرب إلى صفوف الإخوان المسلمين، ومحاولة تعميق التناقضات الموجودة بينهم، وتفجيرهم من الداخل. وقد أسهم في ذلك، من جانب الحركة، الشيخ أحمد حسن الباقوري، بالتعاون مع إبراهيم الطحاوي، سكرتير هيئة التحرير.
وكانت هناك بداية انقسام في الإخوان المسلمين حول قضيتين أساسيتين
أولاً: التعاون مع حركة الجيش
        كانت هناك فئة تؤيد ذلك، يتزعمها حسن العشماوي، ومنير الدلة، ويقف حسن الهضيبي منها موقف عدم المعارضة.
        وفئة ترفض ذلك، ويتزعمها سعد الوليلى، ويوسف طلعت، وعبدالقادر عودة، والشيخ محمد فرغلي وإبراهيم الطيب.
ثانياً: بقاء النظام والجهاز السري
        كان هناك رأي ينادي باستمرار النظام السري، باعتباره قد أنشئ، أساساً، لحماية الجماعة، أو تحقيق أهدافها. وأنهم أحوج ما يكونون إليه، في ظل نظام عسكري، يستطيع أن يبطش في أية لحظة. ورأي آخر ينادي بإلغاء النظام السري، لأن النظام العسكري القائم سوف يستفزه وجود جهاز سري؛ فيستدرجه ذلك إلى التعجيل بضرب الإخوان.
        استطاع جمال عبدالناصر أن يجذب إليه عبدالرحمن السندي، رئيس الجهاز السري، والذي كان على خلاف مع حسن الهضيبي، والشيخ سيد سابق، منشئ الجهاز السري. وأدى ذلك إلى حدوث انقسام، في تنظيم الجهاز. وشكلت له قيادة جديدة كان، على رأسها، الذين عارضوا التعاون مع حركة الجيش، وهم: إبراهيم الطيب (محامي)، ويوسف طلعت (نجار)، والشيخ محمد فرغلي، والسيد فايز عبد المطلب (مهندس)، الذي انفجر فيه طرد من حلاوة المولد النبوي؛ وأدى ذلك إلى زيادة حدة الصراع بين الجناحين.
        نجح هذا الجناح في اجتذاب عدد من ضباط الجيش، بل وضباط البوليس، ممن كانوا ينتمون إلى الإخوان المسلمين، كما استمرت اللعبة بعد أن أصبحت حركات التسرب متبادلة. ولم تقف اتصالات الإخوان، في حدود الضباط المنتمين إليهم، ولكنهم حاولوا الاتصال كذلك، بمحمد نجيب، مدركين أن هناك تناقضاً بدأ يظهر، بينه وبين زملائه، أعضاء مجلس قيادة الثورة. وكان ذلك عن طريق قائد حرسه الخاص، اليوزباشي محمد رياض، الذي قابل حسن عشماوي، ومنير الدلة، عدة مرات في ديسمبر 1953.
كانت مطالب الإخوان هي:
  1. تعيين رشاد مهنا قائداً عاماً للقوات المسلحة. وكان رشاد، وقتها، ينفذ عقوبة السجن المؤبد، بعد محاكمته، عقب اعتقاله في 15 يناير 1953.
  2. عدم تأييد الحكم الديموقراطي.
  3. عدم تأييد عودة الأحزاب، والإصرار على حلها.
  4. عودة الضباط إلى الثكنات.
  5. تشكيل وزارة يرضى عنها الإخوان.
        وعندما تبلورت اتصالات محمد رياض، مع الإخوان، في هذه المطالب، عرض الأمر على محمد نجيب، فرفض الحديث في ذلك، شكلاً وموضوعاً. ورفض فكرة الاتصال السري بالإخوان مطلقاً.
        وتوقفت الاتصالات، بين محمد نجيب والإخوان، في وقت كانت تتجمع فيه سحب الخلاف. أصبح الصدام بين حركة الجيش وجماعة الإخوان حتمياً، تغذيه تخوفات مجلس الثورة، من موقف الجبهة المناوئة لهم في الإخوان، وما يرتبط بها من تنظيم وجهاز سري مسلح. ويغذيه كذلك، تناقضات الإخوان الداخلية، التي بلغت حد الانفصال والمواجهة. ولم ينجح في إذابة الخلاف، أو تحاشي عوامل الصدام، المقابلات الدورية، التي كان يقوم بها عدد، من زعماء الإخوان، مثل عبدالقادر عودة، وكامل الشريف، "الذي هرب من مصر، وأصبح سفيراً للأردن في باكستان"، مع جمال عبدالناصر، وعدد من زملائه أعضاء المجلس.
        وتفجر الموقف، في ساحة الجامعة، يوم 12 يناير 1954، عند الاحتفال بذكرى شهداء معركة القناة، وحضور الطلبة الإخوان، ومعهم الإيراني (نواب صفوي)، زعيم جماعة (فدائيات إسلام)، والذي كانت صحف أخبار اليوم قد هللت له، وأحاطته بدعاية ضخمة.
        كان صفوي زعيم الإرهابيين في إيران. وقد اشترك في قتل الجنرال راز مارا، رئيس وزراء إيران عام 1951[1]، وساد الشغب في اجتماع الجامعة، وانقسم الطلبة إلى فريقين متخاصمين ينتمي بعضهم إلى الإخوان المسلمين، وترتب على ذلك احتكاك شديد بين الفريقين استخدم فيه الإخوان العصي والكرابيج وبعض الأسلحة النارية، وأحرقت سيارة، وأصيب بعض الطلبة إصابات مختلفة.
        ولم يتدخل رجال البوليس في هذا الصدام حتى لا يزداد التوتر بين صفوف الطلبة، ولم يكن ثمة شك في أن الإخوان المسلمين كانوا هم المدبرين لهذا الشغب، ليظهروا نفوذهم، وسيطرتهم في محيط الجامعة، وليؤلبوا فئات الشعب على حكم الثورة.
        ويستطرد عبداللطيف البغدادي قائلاً: "إن اللواء محمد نجيب كان ضد قرار حل جمعية الإخوان المسلمين الذي صدر يوم 12 يناير 1954 على أثر الصدام الذي كان قد حدث في الجامعة بين طلبة الإخوان والطلبة المنتسبين لهيئة التحرير المنظمة السياسية التابعة للثورة. وكان هذا القرار يشتمل كذلك، على اعتقال حسن الهضيبي، وابنه، وعدد آخر من أعضائها. وكذا أفراد القسم الخاص بالجمعية. وكان عددهم جميعاً يربو على 450 معتقلاً، إضافة إلى فصل بعض الطلبة، والموظفين المنضمين للجمعية. وإحالة ضباط البوليس، المنتسبين إليها، إلى المعاش كذلك، وتم اعتقالهم، وصدرت الموافقة على هذه الإجراءات بإجماع الآراء، من المجلس، وبموافقة محمد نجيب كذلك".
        كان قرار مجلس قيادة الثورة، يوم 14 يناير 1954، بحل جماعة الإخوان المسلمين، بعد سنتين كاملتين بالتحديد، من حل الأحزاب السياسية. ويقول محمد نجيب في ذلك: "رفضت الموافقة على حل جماعة الإخوان المسلمين، عندما عرض الأمر على مجلس القيادة. كان رفضي لحل الإخوان المسلمين مبنياً على أساس مبدئي، وليس على أساس موقف ذاتي". ويقول: "يبدو أن مجلس قيادة الثورة أحس بخطورة الإخوان، في ذلك الوقت، فقرر التخلص منهم، وحل جماعتهم. واعترضت؛ لأن عبدالناصر سبق أن استثنى الإخوان، عند حل الأحزاب، واعتبرهم جماعة لا حزباً. وذهب مع حسن الهضيبي يومها إلى سليمان حافظ، وزير الداخلية، ليقدما مذكرة له تعفيهم من تطبيق قانون الأحزاب، فقلت لعبدالناصر: لنحافظ على كلمتنا، لنحافظ على مبادئنا! لكنه قال: (إنهم يتآمرون علينا)!".
خلاصة بيان مجلس قيادة الثورة
        "إن الثورة، حينما حلّت الأحزاب، لم تطبق أمر الحل على الإخوان، إبقاء عليهم وأملاً فيهم، وانتظاراً لجهودهم، وجهادهم، في معركة التحرير. ولكن نفرًا، من الصفوف الأولى، في هيئة الإخوان، أرادوا أن يُسَخِرُوا هذه الهيئة لمنافع شخصية، وأهواء ذاتية، مستغلين سلطان الدين على النفوس، وقد أثبت تسلسل الحوادث أن هذا النفر، من الطامعين، استغلوا هيئة الإخوان والنظم التي تقوم عليها لإحداث انقلاب في نظام الحكم تحت شعار الدين، وسارت الحوادث بين الثورة والإخوان بالتسلسل الآتي:
  1. في صباح يوم الثورة استدعى الأستاذ حسن العشماوي، لسان حال المرشد العام، إلى مقّر قيادة الثورة في كوبري القبة، وكُلّف أن يطلب من المرشد العام إصدار بيان بتأييد الثورة، ولكن المرشد بقي في مصيفه، بالإسكندرية، لائذًا بالصمت، فلم يحضر إلى القاهرة إلاَّ بعد أن عُزل الملك، ثم أصدر بياناً مقتضبًا، طلب بعده، أن يقابل أحد رجال الثورة، فقابله جمال عبدالناصر، في منزل صالح أبو رقيق، الموظف بالجامعة العربية. وقد بدأ المرشد حديثه مطالباً بتطبيق أحكام القرآن، في الحال، فرّدَ عليه جمال أن هذه الثورة قامت حرباً على الظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي، والاستعمار البريطاني، وهي بذلك ليست إلاّ تطبيقاً لتعاليم القرآن الكريم. فانتقل المرشد بالحديث إلى تحديد الملكية، وقال إن رأيه أن يكون الحد الأقصى 500 فدان، فرّدَ عليه جمال قائلاً: إن الثورة رأت التحديد بمائتي فدان وهي مصممة على ذلك. فانتقل المرشد بالحديث قائلاً إنه يرى، لكي تؤيد هيئة الإخوان الثورة، أن يُعْرض عليه أي تصرف للثورة، قبل إقراره، فرّدَ عليه جمال قائلاً: بأن هذه الثورة قامت، بدون وصاية أحد عليها، وهي لن تقبل، بحال، أن توضع تحت وصاية أحد، وإن كان هذا لا يمنع القائمين على الثورة من التشاور، في السياسة العامة، مع كل المخلصين، من أهل الرأي، دون التقيد بهيئة من الهيئات، ولم يلقَ هذا الحديث قبولاً في نفس المرشد.
  1. سارعت الثورة، بعد نجاحها في إعادة الحق إلى نصابه، وكان من أوّل أعمالها أن أعادت التحقيق في مقتل الأستاذ حسن البنا، فقبضت على المتهمين، في الوقت، الذي كان فيه المرشد، لا يزال في مصيفه بالإسكندرية.
  2. طالبت الثورة الرئيس السابق، علي ماهر، بمجرد توليه الوزارة، أن يصدر عفواً شاملاً، عن المعتقلين والمسجونين السياسيين، وفي مقدمتهم الإخوان. وقد نُفَّذ هذا فعلاً، بمجرد تولي الرئيس نجيب رئاسة الوزارة.
  1. حينما تقرر إسناد الوزارة إلى الرئيس نجيب تقرر أن يشترك فيها الإخوان المسلمون بثلاثة أعضاء، على أن يكون أحدهم الأستاذ أحمد حسن الباقوري، وقد تم اتصال تليفوني بين اللواء عبدالحكيم عامر والمرشد ظهر يوم 7 سبتمبر 1952 فوافق على هذا الرأي قائلاً: إنه سيبلغ القيادة الاسمين الآخرين، ثم حضر الأستاذ حسن العشماوي المحامي إلى القيادة في كوبري القبة، وأبلغ جمال عبدالناصر أن المرشد يرشح للوزارة الأستاذ منير الدلة الموظف في مجلس الدولة والأستاذ حسن العشماوي. وقد عُرضَ هذا الترشيح على مجلس قيادة الثورة فلم يوافق عليهما، وطلب جمال من العشماوي أن يبلغ ذلك إلى المرشد ليرشح غيرهما، وفي الوقت نفسه اتصل جمال بالمرشد فقال الأخير إنه سيجتمع بمكتب الإرشاد في الساعة السادسة ويردّ عليه بعد الاجتماع، وقد أعاد جمال الاتصال مرة أخرى بالمرشد فردّ عليه أن مكتب الإرشاد قرر عدم الاشتراك في الوزارة فلما قال له لقد أخطرنا الشيخ الباقوري بموافقتك، وطلبنا منه أن يتقابل مع الوزراء في الساعة السابعة لحلف اليمين، أجاب بأنه يرشح بعض أصدقاء الإخوان للاشتراك في الوزارة ولا يوافق على ترشيح أحد من الإخوان، وفي اليوم التالي صدر قرار من مكتب الإرشاد بفصل الشيخ الباقوري من هيئة الإخوان، فاستدعى جمال عبدالناصر الأستاذ حسن العشماوي وعاتبه على هذا التصرف الذي يظهر الإخوان بمظهر الممتنع عن تأييد وزارة الرئيس نجيب، وهدَّدَ بنشر جميع التفاصيل التي لازمت تشكيل الوزارة، فكان ردّ الأستاذ حسن العشماوي أن هذا النشر يحدث فرقة في صفوف الإخوان ويسيء لموقف المرشد، ورجا عدم النشر.
  1. عندما طُلب من الأحزاب أن تقدم إخطاراً عن تكوينها، قدم الإخوان إخطارًا، باعتبارهم حزباً سياسيًّا. وقد نصحت الثورة رجال الإخوان بألاّ يترّدوا في الحزبية، ويكفي أن يمارسوا دعوتهم الإسلامية، بعيدًا عن غبار المعارك السياسية، والشهوات الحزبية. وقد تردّدوا، بادئ الأمر، ثم استجابوا، قبل انتهاء موعد تقديم الإخطارات، وطلبوا اعتبارهم هيئة. وطلبوا، من جمال عبدالناصر، أن يساعدهم في تصحيح الأخطاء؛ فذهب إلى وزارة الداخلية، حيث تقابل مع المرشد، في مكتب الأستاذ سليمان حافظ، وزير الداخلية، وقتئذٍ، وتم الاتفاق على أن تطلب وزارة الداخلية من الإخوان تفسيرًا عما إذا كانت أهدافهم سيُعمل على تحقيقها عن طريق أسباب الحكم كالانتخابات وأن يكون ردّ الإخوان بالنفي، حتى لا ينطبق عليهم القانون.
  1. وفي صبيحة يوم صدور قرار حلّ الأحزاب، في 12 يناير 1953، حضر، إلى مكتب جمال عبدالناصر الصاغ صلاح شادي، والأستاذ منير الدلة، وقالا له: الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلاّ هيئة الإخوان؛ ولهذا فإنهما يجب أن يكونوا في وضع، يمكنهما من أن يردّا على كل أسباب التساؤل. فلما سألهما ما هو هذا الوضع المطلوب؟، أجابا بأنهما يريدان الاشتراك في الوزارة. فقال لهما: إننا لسنا في محنة، وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الظرف هو ظرف المطالب، وفرض الشروط فأنتم مخطئون، فقالوا له: إذ لم توافق على هذا، فإننا نطالب بتكوين لجنة، من هيئة الإخوان، تُعرض عليها القوانين، قبل صدورها للموافقة عليها. وهذا هو سبيلنا لتأييدكم إن أردتم التأييد، فقال جمال: لقد قلت للمرشد سابقًا، إننا لن نقبل الوصاية، وإنني أكررها اليوم مرة أخرى، في عزم وإصرار.
وكانت هذه الحادثة هي نقطة التحول في موقف الإخوان من الثورة وحكومة الثورة. إذ دأب المرشد، بعد هذا، على الإدلاء بتصريحات صحفية، مهاجماً فيها الثورة وحكومتها، في الصحافة الخارجية والداخلية، كما كانت تصدر الأوامر، شفويّاً، إلى هيئات الإخوان بأن يظهروا دائماً، في المناسبات، التي يعقدها رجال الثورة، بمظهر الخصم المتحدي.
  1. لما علم المرشد بتكوين هيئة التحرير، تقابل مع جمال، في مبنى القيادة، بكوبري القبة. وقال له: إنه لا لزوم لإنشاء هيئة التحرير، ما دام الإخوان قائمين، فرد عليه جمال: إن في البلاد من لا يرغب في الانضمام للإخوان. وإن مجال الإصلاح متسع أمام الهيئتين، فقال المرشد: أنني لن أؤيد هذه الهيئة. وبدأ منذ ذلك اليوم، في محاربة هيئة التحرير، وإصدار أوامره بإثارة الشغب، واختلاق المناسبات، لإيجاد جو من الخصومة، بين أبناء الوطن الواحد.
  2. وفي مايو 1953، ثبت لرجال الثورة أن هناك اتصالاً، بين بعض الإخوان، المحيطين بالمرشد، وبين الإنجليز، عن طريق الدكتور محمد سالم، الموظف في شركة النقل والهندسة. وقد عرف جمال عبدالناصر، من حديثه مع الأستاذ حسن العشماوي، في هذا الخصوص، أنه حدث اتصال فعلاً، بين الأستاذ منير الدلة، والأستاذ صالح أبو رقيق، ممثلين للإخوان، وبين مستر إيفانز، مستشار السفارة البريطانية. وأن هذا الحديث سيُعرض، حينما يتقابل جمال والمرشد، وعندما التقى جمال عبدالناصر المرشد، أظهر له استياءه، من اتصال الإخوان بالإنجليز، والتحدث معهم في القضية الوطنية، الأمر الذي يدعو إلى التضارب، في القول، وإظهار البلاد بمظهر الانقسام.
ولما استجوب الدكتور محمد سالم، عن موضوع اتصال الإنجليز بالمرشد، ومن حوله، قال: إن هذا يبدأ في وقت كان وفد المحادثات المصري جالساً، يتباحث رسميًّا مع الوفد البريطاني. وفي إبريل 1953، اتصل به القاضي جراهام، بالسفارة البريطانية، وطلب منه أن يمهد مقابلة، بين مستر إيفانز، المستشار الشرقي للسفارة البريطانية، وبعض قادة الإخوان، وأنه أي "محمد سالم" أمكنه ترتيب هذه المقابلة في منزله بالمعادى بين منير الدلة وصالح أبو رقيق عن الإخوان ومستر إيفانز عن الجانب البريطاني، وتناول الحديث موقف الإخوان من الحكومة، تفاصيل القضية المصرية، ورأي الإخوان وموقفهم من هذه القضية. ثم قال الدكتور محمد سالم: إنه جاء، في رأي قادة الإخوان، أن عودة الإنجليز إلى القاعدة، تكون بناءً على رأي لجنة مشكلة، من المصريين والإنجليز، وأن الذي يقرر خطر الحرب، هي هيئة الأمم المتحدة.
ولعل هذا هو السبب في تمسك الإنجليز بهذا الرأي، الذي لم يوافق عليه الجانب المصري للمفاوضات، حتى اليوم. ثم قال الدكتور محمد سالم، في اجتماع آخر مماثل، في منزله، كذلك، حيث طلب مستر إيفانز مقابلة المرشد، فوعد منير الدلة بترتيب هذا الاجتماع، وفعلاً تم في منزل المرشد، ودار في هذا الاجتماع الحديث عن القضية المصرية وموقف الإخوان منها وذكر الدكتور محمد سالم أن مستر إيفانز دعا منير الدلة، وصالح أبو رقيق، لتناول الشاي في منزله، وقد أجابا دعوته مرتين.
  1. في أوائل يونيه 1953، ثبت لإدارة المخابرات أن خطة الإخوان، قد تحوّلت لبثّ نشاطها، داخل قوات الجيش والبوليس. وكانت خطتهم في الجيش تنقسم إلى ثلاثة أقسام كالآتي:
أ - القسم الأول :
ينحصر في عمل تنظيم سري، بين الإخوان وبين ضباط الجيش، ودعوا، فيمن دعوا، عددًا من الضباط، وهم لا يعلمون أنهم من الضباط الأحرار، فسايروهم. وساروا معهم، في خطتهم، وكانوا يجتمعون بهم، اجتماعات أسبوعية. وكانوا يتحدثون، في هذه الاجتماعات، عن الإعداد لحكم الإخوان المسلمين، والدعوة إلى ضم أكبر عدد من الضباط ليعملوا، تحت إمرة الإخوان. وكانوا يأخذون عليهم عهدًا وقسمًا أن يطيعوا ما يصدر إليهم، من أوامر المرشد.
ب- القسم الثاني :
كان ينحصر نشاطه في عمل تشكيلات، بين ضباط البوليس، الغرض منها إخضاع نسبة كبيرة، من ضباط البوليس، لأوامر المرشد. وكانوا يجتمعون، في اجتماعات دورية أسبوعية، وينحصر حديثهم فيها في بثّ الحقد والكراهية، لرجال الثورة ورجال الجيش، وبثّ الدعوة، بين ضباط البوليس، بأنهم أحق من رجال الجيش بالحكم؛ نظرًا لاتصالهم بالشعب، وكانوا يمّنونهم بالترقيات والمناصب، بعد أن يتم لهم هدفهم، وكان يتزعمهم الصاغ صلاح شادي، الذي طالما ردّد، في اجتماعاته بهم، أنه وزير الداخلية المقبل.
ج- القسم الثالث :
أُطلق عليه قسم الوحدات. وكان الغرض منه جمع أكبر عدد ممكن، من ضباط الصف، بالجيش، تحت إمرة المرشد. وكانوا يجتمعون بهم، في اجتماعات سرية أسبوعية، وكان الحديث يشتمل على بث الكراهية للضباط، في نفوس ضباط الصف، وإشعارهم بأنهم هم القوّة الحقيقية في وحدات الجيش. وأنهم، إذا ما نجح الإخوان في الوصول إلى الحكم، فسيعاملون معاملة كريمة. كما كان هذا القسم يقوم ببث الدعوة لجمع أكبر عدد من ضباط الصف والجنود، ليكون تحت إمرة المرشد العام للإخوان.
ولما تجمعت هذه المعلومات لإدارة المخابرات، اتصل جمال عبدالناصر بحسن العشماوي، باعتباره ممثلاً للمرشد، وصارحه بموقف الإخوان العام، وداخل الجيش، وما يدبرونه في الخفاء، بين قوات الجيش والبوليس. وقال له: لقد أمِنا لكم، ولكن هذه الحوادث تُظهر أنكم تدبرون أمرًا سيجني على مصير البلاد، ولن يستفيد منه إلاّ المستعمر، وإنني أنذر إننا لن نقف، مكتوفي الأيدي، أمام هذه التصرفات، التي يجب أن تُوقف إيقافاً كاملاً. ويجب أن يعلم الإخوان أن الثورة إنما أبقت عليهم، بعد أن حلّت جميع الأحزاب، لاعتقادها أن في بقائهم مصلحة وطنية، فإذا ما ظهر أن، في بقائهم، ما يعرض البلاد للخطر؛ فإننا لن نتردد في اتخاذ ما تمليه مصلحة البلاد مهما كانت النتائج. فوعد أن يتصل بالمرشد، في هذا الأمر، وخرج ولم يعد، حتى الآن.
وفي اليوم التالي استدعى جمال عبدالناصر الصيدلي خميس حميدة، نائب المرشد، والشيخ سيد سابق، وأبلغهما ما قاله لحسن العشماوي، في اليوم السابق، فأظهرا الاستياء الشديد، وقالا إنهما لا يعلمان شيئًا عن هذا، وأنهما سيبحثان الأمر، ويعملان على وقف هذا النشاط الضار.
وعلى الرغم من هذا التحذير، استمر العمل حثيثاً، بين صفوف الجيش والبوليس، وأصبح الكلام في الاجتماعات الدورية يأخذ طابع الصراحة وطابع الحقد، فكانوا يقلبون الخطط، في هذه الاجتماعات، بحثًا عن أسلم الطرق لقلب نظام الحكم. وكان الضباط الأحرار المنبثون، في هذه التشكيلات، يبلغون، أولاً بأول، عما يدور في كل اجتماع.
  1. بعد أن تعين الأستاذ الهضيبي مرشداً للإخوان، لم يأمن إلى أفراد الجهاز السري، الذي كان موجوداً في وقت حسن البنا، برئاسة السيد عبدالرحمن السندي، فعمل على إبعاده، معلنًا أنه لا يوافق على التنظيمات السرية، لأنه لا سرّية في الدين. ولكنه، في الوقت نفسه، بدأ في تكوين تنظيمات سرية جديدة، تدين له بالولاء والطاعة، بل عمد إلى التفرقة، بين أفراد النظام السري القديم، ليأخذ منه، إلى صفّه، أكبر عدد ليضمهم إلى جهازه السري الجديد. وفي هذه الظروف المريبة، قُتل المهندس السيد فايز عبدالمطلب بواسطة صندوق من الديناميت وصل إلى منزله على أنه هدية من الحلوى، لمناسبة عيد "المولد النبوي"، وقد قُتل معه، في الحادث، شقيقه الصغير، البالغ من العمر تسع سنوات، وطفلة صغيرة كانت تسير، تحت الشرفة، التي انهارت نتيجة الانفجار.
وكانت المعلومات ترد إلى المخابرات، أن المقربين من المرشد، يسيرون سيراً سريعاً، في سبيل تكوين جهاز سري قوي. ويسعون في الوقت نفسه، إلى التخلص من المناوئين لهم، من أفراد الجهاز السري القديم.
  1. وكانت نتيجة ذلك أن حدث الانقسام الأخير، بين الإخوان، واحتل فريق منهم دار المركز العام، وقد حضر إلى منزل جمال عبدالناصر، بعد منتصف ليل ذلك اليوم، الشيخ محمد فرغلي، والأستاذ السعيد رمضان، مطالبين بالتدخل ضد الفريق الآخر، ومنع نشر الحادث، فقال لهم جمال: إنه لن يستطيع منع النشر، حتى لا يؤوَّل الحادث تأويلات ضارة بمصلحة البلاد، أما، من جهة التدخل، فهو لا يستطيع أن يتدخل بالقوة، حتى لا تتضاعف النتائج، وحتى لا يشعر الإخوان أن الثورة تنصر فريقاً على فريق. وإنه يرى أن يتصالح الفريقان، وأن يعملا على تصفية ما بينهما، فطلب منه الشيخ فرغلي أن يكون واسطة، بين الفريقين، وأن يجمعه مع الأستاذ صالح عشماوي. فطلب منه جمال أن يعود، في اليوم التالي، في الساعة العاشرة صباحاً، وأنه سيعمل على أن يكون الأستاذ صالح موجوداً، وفي الموعد المحدد حضر الشيخ فرغلي، ولم يمكن الاتصال بالأستاذ صالح عشماوي، وكان الشيخ فرغلي متلهفاً على وجود الأستاذ عشماوي، مما دعا جمال أن يطلب من البوليس الحربي البحث عن الأستاذ صالح عشماوي، وإحضاره إلى المنزل.  وتمكن البوليس الحربي في الساعة الثانية عشرة من العثور على الأستاذ صالح عشماوي وإحضاره إلى المنزل ـ فحضر هو والشيخ سيد سابق إلى منزل جمال عبدالناصر وبدأ الطرفان يتعاتبان. وأخيراً اتفقا على أن تشكل لجنة يوافق على أعضائها الأستاذ صالح عشماوي للبحث فيما نسب إلى الإخوان الأربعة المفصولين، على ألا يعدوا مفصولين، وإنما يعدون تحت التحقيق، والعمل على أن يسود السلام المؤتمر الذي كان مُزمعاً عقده، في دار المركز العام، في عصر ذلك اليوم. ولكن لم ينفذ هذا الاتفاق.
  1. وفي يوم الأحد 10 يناير 1954، ذهب الأستاذ حسن العشماوي، العضو العامل بجماعة الإخوان، وأخو حرم منير الدلة، إلى منزل مستر كريزويل، الوزير المفوض بالسفارة البريطانية، ببولاق الدكرور، الساعة السابعة صباحاً، ثم عاد لزيارته في اليوم نفسه، في مقابلة دامت من الساعة الرابعة، بعد الظهر، إلى الساعة الحادية عشرة، من مساء اليوم. وهذه الحلقة، من الاتصالات بالإنجليز، تكمل الحلقة الأولى، التي روى تفاصيلها الدكتور محمد سالم.
  1. وكان آخر مظهر، من مظاهر النشاط المعادي، الذي قامت به جماعة الإخوان، هو الاتفاق على إقامة احتفال بذكرى المنسي وشاهين يوم 12 يناير 1954، في جامعتي القاهرة والإسكندرية في وقت واحد، وأن يعملوا جهدهم، لكي يظهروا بكل قوتهم، في هذا اليوم. وأن يستغلوا هذه المناسبة، استغلالاً سياسياً، في صالحهم، ويثبتوا للمسؤولين أنهم قوة، وأن زمام الجامعة في أيديهم وحدهم. وفعلاً، تم اجتماع لهذا الغرض، برياسة عبدالحكيم عابدين، حضره حسن دوح المحامي، ومحمود أبو شلوع، ومصطفى البساطي من الطلبة، واتفقوا على أن يطلبوا، من الطلبة الإخوان، الاستعداد لمواجهة أي احتمال، يطرأ على الموقف، خلال المؤتمر، حتى يظهروا بمظهر القوة، وحتى لا يظهر في الجامعة أي صوت آخر غير صوتهم. وفي سبيل تحقيق هذا الغرض، اتصلوا بالطلبة الشيوعيين، على الرغم من قلتهم وتباين وجهات النظر بينهم، وعقدوا معهم اتفاقاً ودياً، يُعمل به خلال المؤتمر.
وفي صباح 12 يناير 1954، عُقد المؤتمر، وتكتل الإخوان، في حرم الجامعة وسيطروا على الميكروفون. ووصل، إلى الجامعة، أفراد منظمات الشباب، من طلبة المدارس الثانوية، ومعهم ميكرفون مثبَّت على عربة، للاحتفال بذكرى الشهداء، فتحرش بعض الطلبة الإخوان، وطلبوا إخراج ميكرفون منظمات الشباب. وانتظم الحفل، وأُلقيت كلمات من مدير الجامعة والطلبة. وفجأة إذا ببعض من الإخوان يحضرون الاجتماع، ومعهم (نواب صفوي)، زعيم فدائيات إسلام في إيران، يحملونه على الأكتاف، وصعد إلى المنصة وألقى كلمة. وإذا بطلبة الإخوان يقابلونه، بهتافهم التقليدي، "الله أكبر ولله الحمد". وهنا هتف طلبة منظمة الشباب "الله أكبر والعزة لمصر".
فساء طلبة الإخوان أن يظهر صوت الجامعة، مع صوتهم، فهاجموا الهاتفين بالكرابيج، والعصي وقلبوا عربة المكيرفون، وأحرقوها، وأُصيب البعض إصابات مختلفة، ثم تفرق الجميع إلى منازلهم.
        حدث كل هذا في الظلام. وظن المرشد، وأعوانه، أن المسؤولين غافلون عن أمرهم؛ لذلك فنحن نعلن، باسم هذه الثورة، التي تحمل أمانة أهداف هذا الشعب، أن مرشد الإخوان، ومن حوله، قد وجَّهوا نشاط هذه الهيئة، توجيهاً يضر بكيان الوطن، ويعتدي على حرمة الدين. ولن تسمح الثورة أن تتكرر في مصر، مأساة رجعية باسم الدين، ولن تسمح لأحد أن يتلاعب بمصائر هذا البلد، بشهوات خاصة، مهما كانت دعواها، ولا أن يُستغل الدين في خدمة الأغراض والشهوات، وستكون إجراءات الثورة حاسمة، وفي ضوء النهار، وأمام المصريين جميعاً.
رواية محمد نجيب
        وفي 12 يناير 1954، بعد عام من حل الأحزاب تقريباً، صدر قرار حل الإخوان المسلمين بأغلبية الأصوات، وفي اليوم نفسه، اعتقل 450 عضو من الإخوان. وصدر بيان طويل من المجلس، وذكر موجزاً للبيان السابق.
        ويقول: "لم أكن موافقاً على حل الإخوان. ولم أكن موافقاً على حل البيان. وأحسست أن موقفي أصبح في غاية الحرج. هل أنا موافق على كل هذا؟ هل أنا رافضه وغير مقتنع به؟ أين أنا من كل هذا بالضبط؟ ولم أجد مفراً من أن أقدم استقالتي"!
        يقول أحمد حمروش: "ولكن عدم موافقة محمد نجيب لم تؤثر في صدور قرار الحل؛ فقد كان هو الصوت الوحيد المعارض، ولكن هذا الموقف أثار، في صدور زملائه، الخشية أن يكون هناك تدبير ما، بين محمد نجيب والإخوان، ومع ذلك آثروا مواجهة الموقف، في صلابة".
وصدر بيان من مجلس قيادة الثورة يوجه إلى الإخوان المسلمين الاتهامات السابق ذكرها.
        كانت هذه الاتهامات الرئيسية في البيان، الذي يعد كلمة النهاية، في علاقة حركة الجيش وجماعة الإخوان. والذي اقترن صدوره باعتقال حسن الهضيبي، و450 عضواً بالجماعة، في القاهرة والأقاليم. يقول عبدالرحمن الرافعي: "وحقق مع الإخوان المعتقلين، وأفرج تدريجياً عن 112 منهم، ثم أُفرج عن آخرين. واتضح أنهم متآمرون، مع الشيوعيين، على إسقاط حكومة الثورة، مع الاختلاف الكبير بينهم في المبادئ. وكانوا متفقين على أن يتولوا هم الحكم، ويوزعوه بينهم. وقد اشتدت حركة الإخوان المسلمين، بعد حل جماعتهم، واتسع نطاق أعمالهم السرية، وأرادوا أن يقفوا من الثورة، موقفهم من وزارة النقراشي، حين قرر حل جماعتهم عام 1948، فاغتالوه، وتعاهدوا على إسقاط الثورة، واعتقال زعمائها.
        اكتشف الطرفان أن وقوع المصادمة كان في وقت مبكر، وغير مناسب للطرفين. ولكن قيادة الثورة لم تتراجع على الفور، بل أعلنت وزارة الداخلية أنها ستفرج عن كل معتقل، لا توجه له تهمة معينة، وفعلاً بدأت الصحف تعلن أعداد الذين يفرج عنهم كل يوم. وحرص جمال عبدالناصر ألا يقطع الحبل نهائياً معهم، فزار، بعد قرار الحل، قبر حسن البنا، في الذكرى الخامسة لاستشهاده (12 فبراير 1954)، مع صلاح سالم، وأحمد حسن الباقوري. وخطب قائلاً: "أشهد الله أني أعمل، وكنت أعمل، لتنفيذ هذه المبادئ وأفنى فيها، وأجاهد في سبيلها".
        وظلت محاولة اجتذاب جماهير الإخوان، عن طريق الجناح المتعاون مع الثورة، مستمرة.
        وهكذا شملت (سنوات الصدام) صداماً مع الإقطاع والأحزاب السياسية والشيوعية والإخوان المسلمين. ولكن كان هناك صدام آخر، أكبر خطراً، وأشد تأثيراً هو صدام الضباط.




المصدر/مكتبة الاسكندرية

عن الكاتب

د.كريم عبده د.كريم عبده

التعليقات

او يمكنك الحصول على نسختك المطبوعة بارخص الاسعار مع إمكانية الدفع عند الاستلام والتوصيل للمنزل مجانا من هنا
لطلبات الكتب او المناقشة والاقتراحات انضم الآن لـ جروب مكتبة المليون كتاب


جميع الحقوق محفوظة

مكتبة المليون كتاب

2016